ابن خلكان

417

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار ، فغنم الناس من أثقاله غنيمة عظيمة ، وتوهموا أن ذلك حيلة منه ومكر ، ولولا ذلك لاتبعوه ، ولقد حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت عشرين ألف سهم ، وانصرف الخليفة مسرورا بما فتح اللّه عليه . وكان ممن تخلص من أسره ذلك اليوم أبو عبد اللّه محمد بن طاهر أمير خراسان وجاء إلى الخليفة وهو في قيده ، ففك الخليفة عنه القيد ، وخلع عليه خلعة سلطانية . وذكر المعتمد ذلك النهار أنّه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنسانا كتب على صدره إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( الفتح : 1 ) وقص الرؤيا على خواصه ، وقال لهم : قد وثقت بنصر اللّه تعالى . وقبل الوقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع « 1 » ، ويخبر بأنّه لم يجئ إلا لخدمة أمير المؤمنين ، والتشرف بالمثول بين يديه ، والنظر إليه ، وأن يموت تحت ركابه ، فقال المعتمد : نحن في مخاريق الصفار بعد ، أعلموه أنّه ما له عندي إلا السيف . وأمر الخليفة بالكتاب إلى أبي أحمد عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر ، وهو عم محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر ، يخبره بالفتح وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر ، فكتب إليه وهو يومئذ يتولى الشرطة ببغداد نيابة عن ابن أخيه المذكور ، فإنّه كان يتولى خراسان وشرطتي بغداد وسر من رأى وفي الكتاب فصول طويلة ، وحاصله أنّه عدّد ذنوب الصفار ، وما قابله به الخليفة من الإحسان والإنعام ، وأنّه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها قبل هذا ، وأنّه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية ، ولم يبق شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله ، فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان ، والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء الغلبة ، فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه ، وتابع الكتب بالرجوع إلى أعماله الجليلة التي ولاه إياها ، وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم اللّه عليه بها ، فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته ، وعرفه أنّه إن أقام على المصير إلى الباب فقد عصاه وخرج عن طاعته ، ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة

--> ( 1 ) ر : تضرع وخضوع .